الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
16
مختصر الامثل
إلى أهمّ الأعمال ، أي مسألة الصلاة ، فقال : « يَا بُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ » . لأنّ الصلاة أهم علاقة وإرتباط مع الخالق ، والصلاة تنوّر قلبك ، وتصفّي روحك ، وتضئ حياتك ، وتطهّر روحك من آثار الذنب ، وتقذف نور الإيمان في أنحاء وجودك ، وتمنعك عن الفحشاء والمنكر . وبعد الصلاة يتطرّق لقمان إلى أهم دستور اجتماعي ، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيقول : « وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ » . وبعد هذه الأوامر العملية المهمة الثلاثة ، ينتقل إلى مسألة الصبر والاستقامة ، والتي هي من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فيقول : « وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . « العزم » : بمعنى الإرادة المحكمة القوية ، والتعبير ب « عَزْمِ الْأُمُورِ » هنا إمّا بمعنى الأعمال التي أمر اللَّه بها أمراً مؤكّداً ، أو الأمور والأعمال التي يجب أن يمتلك الإنسان فيها إرادة فولاذية وتصميماً راسخاً ، وأيّاً من هذين المعنيين كان فإنّه يشير إلى أهمية تلك الأعمال . والتعبير ب « ذلك » إشارة إلى الصبر والتحمل . ثم انتقل لقمان إلى المسائل الأخلاقية المرتبطة بالناس والنفس ، فيوصي أوّلًا بالتواضع والبشاشة وعدم التكبر ، فيقول : « وَلَا تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ » . أي لا تعرض بوجهك عن الناس « وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ » . « تُصعّر » : من مادة ( صعّر ) ، وهي في الأصل مرض يصيب البعير فيؤدّي إلى إعوجاج رقبته ؛ و « المرح » : يعني الغرور والبطر الناشئ من النعمة ؛ و « المختال » : من مادة « الخيال » و « الخيلاء » وتعني الشخص الذي يرى نفسه عظيماً وكبيراً ، نتيجة سلسلة من التخيلات والأوهام ؛ و « الفخور » : من مادة « الفخر » ويعني الشخص الذي يفتخر على الآخرين . وعلى هذا ، فإنّ لقمان الحكيم يشير هنا إلى صفتين مذمومتين جدّاً وأساس توهين وقطع الروابط الاجتماعية الصميمية : إحداهما التكبر وعدم الاهتمام بالآخرين ، والأخرى الغرور والعجب بالنفس ، وهما مشتركتان من جهة دفع الإنسان إلى عالم من التوهم والخيال ونظرة التفوق على الآخرين ، وإسقاطه في هذه الهاوية ، وبالتالي تقطعان علاقته بالآخرين وتعزلانه عنهم . إنّ مراد لقمان محاربة كل مظاهر التكبر والغرور . في ثواب الأعمال عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : من مشى على الأرض